‘ حين يتكلم العنف لغة السياسة ‘ - بقلم: رانية مرجية
نادراً ما يظهر العنف في أكثر صوره خطورةً على هيئة فعلٍ فجّ أو انفجارٍ مفاجئ. في الغالب، يتسلّل بهدوء، عبر اللغة، عبر الخطاب، وعبر المساحات التي يُفترض أن تكون مخصّصة للنقاش العقلاني لا للتصفية الرمزية.
رانية مرجية - صورة شخصية
في هذا المعنى، لا تبدو الساحة السياسية العربية قبيل الانتخابات بعيدة عمّا يجري في المجتمع، بل أقرب ما تكون إلى مرآته الأكثر صفاءً وقسوة في آن.
الخلاف السياسي، في ذاته، ليس المشكلة. بل هو شرطٌ أساسي لأي حياة ديمقراطية. غير أن الإشكال يبدأ حين يتحوّل هذا الخلاف إلى ممارسة إقصائية، تُدار بمنطق التخوين والتحريض ونزع الشرعية. هنا، لا تعود السياسة مجالاً للتنافس على الأفكار والبرامج، بل فضاءً مُقنَّعًا للعنف الرمزي، حيث تُستبدل الضربة بالكلمة، وتُمارَس الهيمنة من خلال اللغة.
في هذا السياق، لا يمكن الفصل بين الخطاب السياسي وسلوك المجتمع. السياسي الذي يشيطن خصمه، أو يختزل الاختلاف في ثنائية الولاء والخيانة، لا يخاطب جمهورًا محايدًا، بل يساهم في إعادة تشكيل وعيه. الكلمات، حين تُستخدم بلا ضوابط أخلاقية، تتحوّل إلى أدوات تعبئة سلبية، تُطبع العداء وتُشرعن الإلغاء، وتُضعف القدرة على رؤية الآخر بوصفه شريكًا في الحيز العام.
تتكثّف هذه الظاهرة قبيل الانتخابات، حين تنكشف البنية الهشّة للتمثيل. فجأة، تُستدعى القضايا الكبرى إلى الواجهة، لا بوصفها التزامًا مستمرًا، بل كوسيلة تعبئة ظرفية. يتراجع النقاش حول السياسات العامة لصالح معارك شخصية وحزبية، ويغدو الجمهور هدفًا للخطاب لا شريكًا فيه. عند هذه النقطة، تفقد الانتخابات معناها كأداة مساءلة، وتتحوّل إلى طقسٍ دوري لإعادة إنتاج المشهد ذاته.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس تقنيًا، بل أخلاقي:
هل خُلق التمثيل البرلماني ليكون قناة لنقل مصالح الناس وقلقهم اليومي، أم بات ساحةً لتدوير النخب داخل منظومة مغلقة لا تُجيد سوى تغيير لغتها؟
حين ينفصل العمل السياسي عن مسؤوليته الأخلاقية، تصبح البراغماتية ذريعة، ويُختزل “فن الممكن” في إدارة الصراعات لا حلّها. في هذه الحالة، لا يعود العنف السياسي انحرافًا استثنائيًا، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من تفريغ السياسة من مضمونها القيمي، وتحويلها إلى ممارسة تقنية خالية من البعد الإنساني.
الأخطر من العنف نفسه هو تطبيعه. حين نعتاد لغة التخوين، ونتسامح مع التحريض، ونتعامل مع الإقصاء بوصفه جزءًا “طبيعيًا” من اللعبة السياسية، نكون قد تجاوزنا مرحلة الخطر إلى مرحلة الانهيار البطيء للحيز العام. عندها، لا يعود مستغربًا أن يتسرّب هذا المنطق إلى الشارع، وأن تُعاد صياغته بأشكال أكثر فظاظة.
السياسة، في معناها العميق، ليست مجرد إدارة مصالح أو سباق مواقع، بل ممارسة ذات أثر تربوي وثقافي. إنها تنتج نماذج، وتحدّد سقفًا أخلاقيًا لما هو مقبول ومرفوض. ومن يستخفّ بقوة الكلمة، أو يتعامل مع الخطاب بوصفه أداة عابرة، يتجاهل حقيقة أساسية: أن العنف يبدأ غالبًا حيث تفشل اللغة في أن تكون مساحة للفهم.
العنف واحد، مهما اختلفت وسائطه. قد يظهر في الشارع بلا وساطة، أو يتجلّى في السياسة بعبارات محسوبة. لكن في الحالتين، النتيجة واحدة: تآكل الثقة، وانكسار المعنى، وتراجع الأمل في سياسةٍ قادرة على أن تكون أداة إصلاح لا مرآة للخراب .
من هنا وهناك
-
منار نفاع عمرية تتحدث عن تراجع سعر الدولار والتحول اللافت في سوق العملات
-
د. سهيل دياب يتحدث عن تهديد ترامب لايران بضربة عسكرية
-
تباين ردود الفعل لأهال من الناصرة وسخنين حول توقيع رؤساء الأحزاب العربية الأربعة على ميثاق لاعادة بناء القائمة المشتركة
-
‘ حين يتكلم العنف لغة السياسة ‘ - بقلم: رانية مرجية
-
شادي حبيب الله من عين ماهل يتحدث عن التوجيه والإرشاد الشبابي
-
المسلسل الدامي لا يتوقف: شاب بحالة خطيرة في الزرازير
-
‘ في خضم الحرب الشاملة: المشتركة هي الحل ‘ - بقلم: خليل نعمة
-
لجنة التوجيه العليا لعرب النقب والمجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها: نبارك الجهود الجارية لتشكيل قائمة تحالفية واحدة لخوض الانتخابات
-
(علاقات عامة) رؤية 2026: كيف تحوّلت "ماما هلأ جاي" إلى منصة استراتيجية للأمهات في المجتمع العربي
-
وزارة الصحة: إلغاء أمر تقييد إداري بحق مصنع ‘كي. إس. إي للصناعات الغذائية المحدودة‘ في باقة الغربية





أرسل خبرا