الصورة للتوضيح فقط - تصوير: (Photo by Anna Barclay/Getty Images)
تؤثر الكميات الهائلة من المنتجات البلاستيكية التي تُلقى وتتحلل في الطبيعة على المنظومة البيئية بأكملها، وبات من المعروف اليوم أن لذلك تأثيرات متنوعة على صحتنا أيضًا. ولكن ماذا يحدث قبل ذلك، طوال مراحل إنتاج البلاستيك، وكيف يرتبط ذلك بمنطقة خليج حيفا؟ وفقاً لتقرير جديد صادر عن منظمة "جرينبيس"، نُشر في تموز/ يوليو الماضي، وُجدت صلة بين السكن بالقرب من المنشآت البتروكيماوية – تلك التي تنتج المواد الخام للمواد الكيميائية الصناعية المرتبطة بالبلاستيك – وبين مخاطر صحية جسيمة. إذ وُجدت بين السكان الذين يقطنون بالقرب من هذه المنشآت معدلات أعلى للإصابة بأنواع مختلفة من السرطان وأمراض الجهاز التنفسي. بالإضافة إلى ذلك، وُجدت آثار ضارة على الخصوبة ونتائج الولادة (على سبيل المثال، انخفاض وزن المواليد لدى النساء اللواتي عشن بالقرب من هذه المنشآت) – وذلك بسبب التعرض للمواد الملوثة المنبعثة خلال عمليات الإنتاج.
قام التقرير برسم خرائط لمواقع المنشآت البتروكيماوية في 11 دولة حول العالم، من بينها كندا، والولايات المتحدة، وألمانيا، وبريطانيا. ووفقاً للبيانات، يقطن أكثر من 16 مليون شخص ضمن نطاق 5 كيلومترات من تلك المصانع، وهو نطاق يُصنف كـ "عالي الخطورة". أما في نطاق 10 كيلومترات، المصنف كـ "خطر متزايد"، فيعيش أكثر من 50 مليون شخص. تعتبر الولايات المتحدة الدولة التي تضم أكبر عدد من الأشخاص المعرضين لخطر الانكشاف، حيث يتركز الخطر بشكل أساسي في تكساس ولويزيانا. وفي هولندا، يعيش حوالي 4.5 مليون شخص من أصل قرابة 18 مليوناً نسمة – أي واحد من كل أربعة أشخاص – على بعد يصل إلى 10 كيلومترات من مواقع الإنتاج البتروكيماوية.
كما يستشهد التقرير بسلسلة من الدراسات التي تؤكد أن المجتمعات التي تعيش بالقرب من المنشآت البتروكيماوية تعاني من معدلات أعلى من أمراض مثل سرطانات الدم (سرطان جهاز الدم والجهاز اللمفاوي)، وسرطان الرئة، واضطرابات في وظائف الكلى وغيرها. ومن بين المواد الملوثة، يشير الباحثون إلى مادتي البنزين والبيوتادين، المعروفتين بخصائصها المسرطنة. وقد تبيّن سابقًا أن التعرض المزمن للبيوتادين، يزيد من خطر الإصابة بسرطان الدم (اللوكيميا)، كما ارتبط التعرض للبنزين بزيادة خطر الإصابة باللوكيميا ومشاكل الخصوبة لدى النساء.
تهديد خطير للصحة العامة
نُشرت هذه النتائج على خلفية المباحثات الجارية حول الاتفاقية العالمية للبلاستيك، التي تُعقد في جنيف منذ عام 2022. وفي آب/أغسطس الماضي نُشر تقرير إضافي كشف عن حملة تقودها شركات بتروكيميائية كبرى، تهدف إلى إفشال اتفاقية البلاستيك، عبر طرح حلول هامشية وغير فعّالة، بالتوازي مع توسيع إنتاج البلاستيك. ويُشكّل البلاستيك اليوم أكثر من 60% من إجمالي إنتاج صناعة البتروكيميائيات العالمية، وبحسب كاتبي التقرير، من المتوقع أن يدفع إنتاجه أكثر من ثلث الزيادة في الطلب على النفط حتى عام 2030، ونحو نصف هذه الزيادة بحلول عام 2050.
تقول نيتع شاليط، رئيسة قسم الاستهلاك في "جرينبيس" إسرائيل، بأن إنتاج البلاستيك يعد تهديداً خطيراً للغاية على الصحة العامة. وتؤكد شاليط أن نتائج التقرير تسلط الضوء على مخاطر التعرض للمواد المنبعثة من المنشآت البتروكيماوية أثناء إنتاج المواد الخام للبلاستيك المعتمدة على النفط. ويشمل ذلك زيادة التعرض، من بين أمور أخرى، للمركبات العضوية المتطايرة (VOCs)، وأكاسيد النيتروجين (NOₓ)، وأكاسيد الكبريت (SOₓ)، والجسيمات العالقة (PM).
وماذا عن آثار التلوث في إسرائيل، وتحديداً في خليج حيفا – حيث تتركز معظم الصناعات البتروكيماوية اليوم؟ وفقاً للبيانات التي نشرتها وزارة حماية البيئة فيما يتعلق بعام 2023 – تضمنت قائمة المصانع العشرة المصنفة بأعلى احتمالية للمخاطر البيئية في البلاد، شركة "جاديف للصناعات البتروكيماوية" في خليج حيفا، وكذلك شركة "كرمل أوليفينيم" التي تنتج المواد الخام لصناعة البلاستيك والكيمياء. يُشار إلى أنه في آذار/مارس 2023 أقرت الحكومة وقف نشاط المصانع البتروكيماوية في خليج حيفا خلال عشر سنوات.
تضيف شاليط بأن تقرير "جرينبيس" يكشف العلاقة بين القرب من منشآت مثل ""كرمل أوليفينيم" في خليج حيفا وارتفاع معدلات الأمراض الخطيرة، وهو ما يثير قلقاً بالغاً، نظراً لأن إنتاج البلاستيك من المتوقع أن يتضاعف في العقد أو العقدين القادمين، بل وقد يتضاعف ثلاث مرات بحلول عام 2050. وفي العديد من الحالات التي تمت دراستها، وُجد أن المجتمعات التي تعيش بالقرب من منشآت إنتاج البلاستيك الأولية تعاني من معدلات غير طبيعية من السرطان، وأمراض الجهاز التنفسي، والوفيات المبكرة. وقد صنفت الأمم المتحدة هذه المناطق كـ "مناطق تم التضحية بها". وتؤكد شاليط ضرورة معالجة مشكلة البلاستيك من جذورها وتقليل إنتاجه، مشددة على وجوب وقف هذه الصناعة الملوثة – من أجل البيئة ومن أجل صحتنا جميعاً.
خطر أعلى بـ 17.7 ضعفاً من المعدّل القطري
خلال السنوات الماضية، صدرت عدة تقارير عن وزارة الصحة تشير إلى وجود معدلات زائدة من الإصابة بالأمراض والوفيات الناتجة عن أمراض القلب والسرطان في منطقة خليج حيفا، إلى جانب ارتفاع معدلات الإصابة بالربو بين الأطفال، وكذلك زيادة في التوجّه إلى أقسام الطوارئ وفي حالات الاستشفاء نتيجة أمراض تنفسية. ووفقًا للنتائج المقلقة، فإن معدلات الإصابة بالسرطان بين البالغين فوق سن 65 الذين يعيشون بالقرب من مجمّعات خزّانات الوقود مرتفعة بما يصل إلى 17.7 مرة مقارنة بالمعدل القطري.
وتضيف د. ليهي شاحر برمان، المديرة العامة لاتحاد مدن منطقة خليج حيفا لحماية البيئة، بأننا نشهد خلال السنوات الثلاث الأخيرة ارتفاعاً مستمراً ومقلقاً في تركيزات مادّة البنزين المسرطن وفي عدد التجاوزات للقيم البيئية المسموح بها حول مجمع "بزان"، وتؤكد أن الوضع ازداد سوءاً منذ الحرب مع إيران، والتي تضرر خلالها المجمّع .
في أواخر أيلول/سبتمبر، اتخذ المجلس القطري للتخطيط والبناء قرارًا بالمصادقة على طلب شركة "بزان" لإنشاء محطة طاقة جديدة مع إعفائها من تصاريح البناء الاعتيادية. وتضيف شاحَر برمان بأنه على رغم المعطيات القاطعة، تواصل بازان تقديم طلبات لإقامة المزيد من المنشآت الملوِّثة، وهي طلبات يتم وقفها في لجان التخطيط وأحيانًا تصل إلى المحاكم. ومع ذلك، تؤكد شاحر برمان أنه لا يكفي وقف طلبات "بزان" وحدها؛ فالحل الحقيقي طويل الأمد لخليج حيفا، وللحفاظ على صحة وأمن السكان، يتمثّل في إخلاء جميع الصناعات الملوِّثة من الخليج والانتقال إلى استيراد المشتقات النفطية، مع الالتزام بالجدول الزمني المحدد لإنهاء العملية.
نتائج مزعجة ولكنها ليست مفاجئة
يقول د. زوهر برنت-يتسحاقي، رئيس مجموعة البحث للاستدامة البيئية والاجتماعية في المركز الأكاديمي "روبين" وعضو هيئة التدريس في كلية الهندسة، بأن نتائج التقرير مزعجة للغاية، وإن كانت غير مفاجئة حقًا. ويضيف برنت-يتسحاقي بأن ما فاجأه هو الوضع الخطير في أوروبا أيضاً، رغم ارتفاع مستوى الوعي هناك.
"يتناول التقرير نوعًا من التعرّض يختلف عن التعرّض المهني"، ويضيف بأن المقصود هنا ليس عمال المصانع الذين يتعرّضون لمواد كيميائية مختلفة، حيث تُستخدم وسائل حماية ويتم الالتزام بالأنظمة والتعليمات. فالتعرّض المذكور في تقرير غرينبيس ينطوي على إشكالية أكبر بكثير، لأننا – كسكان يعيشون في المنطقة – لا نملك لا الوعي الكافي ولا وسائل الوقاية المناسبة.
والسؤال هنا: كيف يمكن تقليل المخاطر؟ يقول برِنت-يتسحاكي بأن الأمر يبدأ وينتهي أولًا عند صُنّاع القرار. فاليوم تتوفر معرفة واسعة، وكذلك أدوات للتعامل مع هذه القضايا. أحد العوائق الرئيسية هو رغبة الدولة في تقليص الرقابة التنظيمية إلى أقصى حد، وهو أمر قد يكون مفيدًا للاقتصاد، لكنه مضر بالصحة العامة. ويشدد على ضرورة تذكر أن العواقب الصحية تكلف مالاً أيضًا. فتقليص الرقابة وتقليل الإشراف على المصانع قد يوفّر أموالًا على المدى القصير، لكنه قد يؤدي في النهاية إلى زيادة الأمراض بل وحتى الوفيات بين السكان، ولهذا ثمن اقتصادي ينعكس على الاقتصاد. ويضيف أنه علينا أن نفهم أن أي تسهيل تنظيمي يُمنح لمصنع معيّن، له في نهاية المطاف ثمن اقتصادي أيضًا.
ويختتم برنت-يتسحاقي أنه في المقابل، نحن كمواطنين لدينا ما نفعله أيضًا، فعلى سبيل المثال، يجب تقليل استخدام البلاستيك قدر الإمكان: الأواني أحادية الاستخدام، والأكياس، والتغليف. وإذا كنا نتحدث عن التعرض الضار، فمن المهم تذكر أن كل استخدام للأدوات أحادية الاستخدام (أكواب، أطباق، وأدوات مائدة) يعرضنا مباشرة للميكرو-بلاستيك الذي يتحرر ويدخل إلى أجسامنا.
أُعدّت هذه المقالة بواسطة 'زاڤيت' – وكالة الأنباء التابعة للجمعية الإسرائيلية للإيكولوجيا وعلوم البيئة.
