أسماء الياس - صورة شخصية
أين ناس زمان عندما كنت تحتاج للمعونة إذا كان "بصبة باطون" أو زفاف أحد أبنائك؟
كان الكل يجيء ويقدم المعونة من قلبه، ليس مجرد واجب يجب عليه أن يقضيه.
أين عالمنا الذي كان ينعم بالسلام والتعايش بين أفراد المجتمع الواحد، بكل طوائفه وأعراقه؟
كثيرًا ما تساءلت:
لماذا أصبحنا نلعن هذا الزمن؟ ونحن السبب بأن هذا الزمن ملعون. لا رأفة لمسن، ولا لطفل ولا للمرأة ولا حتى جار أو صديق.
لكن رغم كل المآسي التي يشهدها كوكبنا، على مدار القرون التي مضت. ورغم الدمار والحروب التي قضت على كل مناحي الحياة.
البيئة أصبحت تستغيث. أوقفوا الحروب. أوقفوا صناعة الأسلحة التي دمرت الكون بالمجمل.
وحتى يستعيد الكون عافيته. قررنا نحن مجموعة من الشباب الغيورين على البيئة إقامة جمعية تعنى بكل ما دمر نتيجة الحروب التي هي من صنع الإنسان.
عارف: تعلم هندسة الجسور العائمة. وهو المسؤول الوحيد في المنطقة لمثل هذا التخصص.
تبنى الجسور العائمة فوق المسطحات المائية مثل الأنهار والبحيرات والمضائق البحرية، وتعتمد على عوامات (أطواف) ضخمة أو صنادل متصلة تحت سطح الطريق، لتحل محل الجسور التقليدية الثابتة عندما يكون بناء الدعائم مكلفًا أو مستحيلًا، وتستخدم في الظروف العسكرية كحل مؤقت أو كجسور دائمة مثل الجسور الخرسانية العائمة.
أما صابر فقد تخرج مؤخرًا من الجامعة فقد تخصص بعلم الفلك.
ويشمل فروعاً متخصصة مثل الفيزياء الفلكية. لدراسة خصائصها الفيزيائية، والعلوم الكوكبية لدراسة الأنظمة الكوكبية، مع الاعتماد على الفيزياء.
والرياضيات والكيمياء لفهم الظواهر الكونية وتطورها من خلال الأدوات الرصدية والتلسكوبات.
أما جلال فقد صمم أن يدخل سلك القضاء. فقد كان يبهره ثوب القاضي، ومنذ كان طفلًا كان دائمًا يقول لوالده سوف أصبح قاضيًا أحكم بالعدل. رغم صغر سنه، لكنه كان يكره الظلم.
تجمعوا هؤلاء الأصدقاء الثلاثة رغم تخصصاتهم المختلفة. لكن وجدوا برفقتهم شغف لا ينقطع ومحبة يستحيل لأحد أن يتدخل بها وينهيها.
فهم جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع. ويصعب على أي إنسان بأن يرى الظلم ويبقى صامتًا.
لذلك قرروا التدخل وإحداث تغيير في مجتمع أصبح على حافة الهاوية.
عملوا صباحًا ومساءً كمجموعة كاملة متكاملة. كل واحد منهم عمل بأقصى طاقاته. جندوا الكثير من الشباب الواعين المحبين لبلدهم ووطنهم.
فقد كانوا يعلمون بأن كل حجر يضعونه برأس الزاوية، هذا دليل على أنهم يسيرون على طريق الصواب.
لم يكلفهم ذلك شيئًا فهم يعلمون بأنهم يعملون من أجل مجتمعهم، ومن أجل الجيل الجديد. الذي على قول عارف نحن ماذا تركنا للأجيال القادمة سوى صور الدمار والبشاعة والموت.
لهذا مسؤوليتنا بناء مستقبل واعد لأبنائنا وأحفادنا.
لم تكن المهمة سهلة، لكنها كانت ضرورية. في اليوم الذي اكتمل فيه بناء أول جسر عائم، وقف الأصدقاء الثلاثة يشاهدون ثمرة كفاحهم. لم يكن جسراً عادياً؛ فقد أصرّ عارف على أن تُصهر معادن الآليات العسكرية المحطمة وخردة الأسلحة التي خلفتها الحروب، ليحولها إلى عوامات ودعامات تحمل الناس بسلام. كانت لمسة هندسية بارعة، تُعلن أن السلاح الذي صُنع للقتل، يمكن أن يُطوّع ليصبح وسيلة للنجاة.
مع غروب الشمس، بدأ صابر يثبت تلسكوبه فوق الجسر، ليرصد النجوم التي بدأت تتلألأ في سماء طهرتها جهودهم البيئية من دخان المصانع والحروب، وقال هامساً: الآن، أصبحت السماء تعكس صفاء الأرض. في تلك اللحظة، كان جلال يقف في منتصف الجسر، مرتدياً عباءته التي لطالما حلم بها، لا ليحكم في قاعة محكمة مغلقة، بل ليكون شاهداً على عدالة جديدة؛ عدالة تمنح الأرض حقها في الشفاء، وتمنح الأجيال القادمة حقها في الحياة.
التف حولهم شباب الجمعية وأطفال الحي الذين عادوا للعب في الساحات. نظروا إلى الجسر القوي تحت أقدامهم، وأدركوا أنهم لم يعيدوا بناء مدينة فحسب، بل أعادوا بناء الإنسان. لقد أثبتوا أن "بصبة الباطون" التي كان يجتمع عليها أهل زمان، قد تحولت اليوم إلى وحدة قلوب صهرت مخلفات الموت لتصنع جسراً نحو المستقبل. لم يعد الزمان ملعوناً، لأنهم ببساطة.. قرروا أن يكونوا هم النور الذي يطرد اللعنة.
