‘في عيد الميلاد… ميتافيزيقا الشمعة والغياب‘ - بقلم : رانية مرجية
في عيد الميلاد المجيد، لا نُشعل الشمعة بوصفها طقسًا موروثًا، بل كفعلٍ وجوديٍّ يلامس جوهر الإنسان. فالشمعة ليست ضوءًا فحسب، بل اعترافٌ هشّ بأننا كائناتٌ تعيش بين حدّين: حدّ الحضور وحدّ الغياب،
رانية مرجية - صورة شخصية
وأن الذاكرة هي المساحة الوحيدة التي لا تخضع لقانون الفناء.
حين نُضيء شمعةً للراحلين، لا نستدعيهم من موتهم، بل نستدعي أنفسنا من التيه. فالذين رحلوا، ولا سيّما أمهاتنا وآباءنا، لم يغادروا المكان بقدر ما غادروا الزمن. صاروا خارج التقويم، خارج العدّ، لكنهم بقوا داخل المعنى. إنهم يسكنون فينا بوصفهم أصلًا لا ذكرى، وبوصفهم بنيةً داخلية شكّلت وعينا قبل أن نشكّل أسماءنا.
الميلاد، فلسفيًا، ليس حدثًا بيولوجيًا، بل لحظة وعي. هو السؤال الذي يُعاد طرحه كل عام: كيف نولد من جديد ونحن مثقلون بالفقد؟ كيف يتجاور الفرح مع الحزن دون أن يُقصي أحدهما الآخر؟ ربما لأن الحياة، في حقيقتها العميقة، لا تُبنى على النقاء، بل على التوتر الخلّاق بين الألم والمعنى.
أمهاتنا وآباؤنا لا يعودون في العيد كأشباحٍ عاطفية، بل كقيمٍ حية. يعودون كطريقة نظرنا إلى العالم، كحذرنا من القسوة، وكإيماننا الصامت بأن الخير، مهما تأخّر، لا يخون. إنهم في قراراتنا الصغيرة، في خوفنا النبيل، وفي قدرتنا على الاستمرار حين يبدو الاستمرار عبئًا لا يُحتمل.
الشمعة، بهذا المعنى، ليست عزاءً بل موقفًا فلسفيًا. هي إعلان صامت بأن الموت لا يملك الكلمة الأخيرة، وأن ما لا يُرى ليس أقلّ حقيقة مما يُرى. فالنور لا يطرد العتمة بالقوة، بل بالثبات. وكذلك الذكرى: لا تصرخ، لا تطالب، لكنها تبقى.
في عيد الميلاد، نفهم أن الفقد ليس نقيض الحب، بل دليله. وأن من نحبّهم حقًا لا يموتون، بل يتحوّلون إلى بوصلة. نحن لا نحملهم في قلوبنا، بل نحمل قلوبنا بهم. وحين نضيء الشمعة، نعلن بوعيٍ مؤلم وجميل معًا: أننا أبناء الغياب، نعم، لكننا ورثة النور.
وفي هذا العيد، لا نُضيء شمعة للراحلين كي نخفّف حزننا، بل كي نُعيد تعريف الحياة. كي نقول، دون ضجيج:
ما زال الميلاد ممكنًا…
ما دام الحبّ قادرًا على أن يتذكّر،
وما دامت الذاكرة فعل مقاومةٍ ضد العدم
من هنا وهناك
-
‘ تأملات في مظاهرة سخنين ‘ - بقلم : المحامي علي أحمد حيدر
-
حين يصبح الناس نخبة النخب ومصدر الإلهام للسياسات | مقال بقلم: أمير مخول
-
السيادة لا تشرب مع القهوة.. خرافة القراءة الاستشراقية للعشيرة! - بقلم : عماد داود
-
صرخة الاخ علي زبيدات ‘ ابو ابراهيم‘ هي صرخة سخنين بكامل اطيافها
-
مقال: رؤية لمهنة المحاسبة في عام 2026 وما بعده - بقلم: طلال أبوغزالة
-
‘ حين يصمت العقل النقدي: هل ما زال المثقف العربي ضمير الأمة؟ ‘ - بقلم : الدكتور حسن العاصي
-
مقال: ‘لا يليق بالناصرة ولا بأم الفحم | استنكار للتصرفات غير الرياضية‘ - بقلم : محمود الحلو
-
قراءة نقدية في كتاب ‘يوميات الزائر والمزور: متنفس عبر القضبان‘ للكاتب المحامي الحيفاوي حسن عبادي
-
‘من التقييم الرقمي إلى التقييم الكلامي‘ - مقال بقلم: منال مصطفى من طمرة
-
‘ يوسف حنحن… حين يرحل الطيبون بصمت ‘ - بقلم: رانية مرجية





أرسل خبرا